أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

638

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الزمخشري ب « أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة » فإنه قال : « معناه من الورثة الذين استحقّ عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة ، ويظهروا بها كذب الكاذبين » وقال ابن عطية : « الأوليان » رفع ب « اسْتَحَقَّ » وذلك أن يكون المعنى : من الذين استحقّ عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور فسميّا أوليين أي : صيّرهما عدم الناس أوليين بالميت وتركته فخانا وجارا فيها ، أو يكون المعنى ؛ من الذين حقّ عليهم أن يكون الأوليان منهم ، فاستحقّ بمعنى حقّ كاستعجب وعجب ، أو يكون استحقّ بمعنى سعى واستوجب فالمعنى : من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقّا عليهم أي : استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقربانهما . قال الشيخ - بعد أن حكى عن الزمخشري وأبي محمد ما قدّمته عنهما - : « وقال بعضهم : المفعول محذوف تقديره : الذين استحقّ عليهم الأوليان وصيتهما » قلت : وكذا هو محذوف أيضا في قولي أبي القاسم وأبي محمد وقد بيّنتهما ما هما فهو عند الزمخشري قوله : « أن يجرّدوهما للقيام بالشهادة » ، وعند ابن عطية هو قوله : « ما لهم وتركتهم » ، فقوله : « وقال بعضهم : المفعول محذوف » يوهم أنه لم يدر أنّه محذوف فيما تقدّم أيضا . وممن ذهب إلى أن « اسْتَحَقَّ » بمعنى « حقّ » المجرد الواحدي فإنه قال : « واستحقّ هنا بمعنى حقّ ، أي وجب ، والمعنى : فآخران من الذين وجب عليهم الإيصاء بتوصيته بينهم وهم ورثته » وهذا التفسير الذي ذكره الواحدي أوضح من المعنى الذي ذكره أبو محمد على هذا الوجه وهو ظاهر . وأمّا قراءة حمزة وأبي بكر فمرفوع « اسْتَحَقَّ » ضمير الإيصاء أو الوصية أو المال أو الإثم حسبما تقدّم ، وأمّا « الأوّلين » فجمع « أوّل » المقابل ل « آخر » ، وفيه أربعة أوجه : أحدها : أنه مجرور صفة ل « الَّذِينَ » . الثاني : أنه بدل منه وهو قليل لكونه مشتقا . الثالث : أنه بدل من الضمير في « عَلَيْهِمُ » ، وحسّنه هنا وإن كان مشتقا عدم صلاحية ما قبله للوصف ، نقل هذين الوجهين الأخيرين مكي . الرابع : أنه منصوب على المدح ، ذكره الزمخشري ، قال : « ومعنى الأوّليّة التقدّم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقّ بها » ، وإنما فسّر الأوّليّة بالتقدّم على الأجانب جريا على ما مرّ في تفسيره : أو آخران من غيركم أنّهما من الأجانب لا من الكفار . وقال الواحدي : « وتقديره من الأوّلين الذين استحقّ عليهم الإيصاء أو الإثم ، وإنما قيل لهم « الأوّلين » » من حيث كانوا أوّلين في الذّكر ، ألا ترى أنه قد تقدّم : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ » وكذلك « اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ » ذكرا في اللفظ قبل قوله : « أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ » ، وكان ابن عباس يختار هذه القراءة ويقول : « أرأيت إن كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما » ؟ أراد أنهما إذا كانا صغيرين لم يقوما في اليمين مقام الحانثين . ونحا ابن عطية هذا المنحى قال : « معناه من القوم الذين استحقّ عليهم أمرهم أي : غلبوا عليه ، ثم وصفهم بأنهم أوّلون أي : في الذكر في هذه الآية » . وأمّا قراءة الحسن فالأولان مرفوعان ب « اسْتَحَقَّ » فإنه يقرؤه مبنيا للفاعل . قال الزمخشري : « ويحتجّ به من يرى ردّ اليمين على المدّعي » ، ولم يبيّن من هما الأوّلان ، والمراد بهما الاثنان المتقدّمان في الذكر . وهذه القراءة كقراءة حفص ، فيخقدّر فيها ما ذكر ، ثم مما يليق من تقدير المفعول .